
(41)
بقلم نهال عبد الواحد
ظلت كارما جالسة أمام المرآة تنظر إلى مستحضرات التجميل الموضوعة أمامها وإلى وجهها الخالي دون أن تفعل أي شيء، وكانت معها بالحجرة لمياء وسمر مشغولتان بطفليهما فانتبهتا لها، صاحت سمر بمزاح: إيه يا بنتي رجعتِ في كلامك ولا إيه؟
فأكملت لمياء: والله لو ترضي، نمكيجك إحنا!
فانتبهت كارما لهما فجأة وتساءلت: بتقولوا حاجة؟
فنظرت صاحبتيها كل واحدة الأخرى بدهشة وهنا دلفت إليهن هدى وما أن وقعت عيناها على ابنتها حتى أهدرت: إده يا كارما! إنتِ لسه ما خلصتيش! الناس جت وقعدين برة!
فالتفتت إليها كارما ونهضت واقفة ثم أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بهدوء ثم تساءلت: إنتِ فرحانة بيّ يا ماما؟
فأطالت هدى النظر إليها ثم قالت: و ده سؤال!
فأومأت كارما برأسها ثم تابعت: مش حساكِ فرحانة ولسه ما سمعتش منك كلمة مبروك.
فتنهدت هدى بضيق ثم جلست وبعدها قالت: ولازمته إيه الكلام ده!
- عايزة أعرف، نفسي أحس إنك فرحانة بجد!
- وهيفيد بإيه؟ كفاية إنتِ تكوني فرحانة، لكن أنا هفضل قلقانة وخايفة عليكِ.
- ليه يا ماما؟! مروان بيحبني .
- الحياة مش حب وبس، الحياة لازم مشاركة وتعاون...
ابتسمت بسخرية وأكملت: هات وخد على اسم البرنامج بتاعه، لكن إنتِ اللي هتفضلي تدي وتدي وشيلتك تقيلة، ويا عالم لما تخلفوا خلفتكم هيكون شكلها إيه؟ طبيعية ولا إيه؟
- يا ماما كله في علم الغيب، هو حد يعرف حاجة ولا يضمن حاجة.
- يا ريتني أطلع غلطانة...
ثم ابتلعت ريقها واستعادت نفسها وقالت: يلا اجهزي وانسي اللي قولته، حاولي تفرحي وتعيشي كل لحظة، في أوقات عايزة تتعاش زي ماهي من غير تفكير، التفكير فيها هيضيع زهوتها ومش هتعرفي ترجعي بالأيام تاني عشان تغيريها.
ظلت كارما تحدق في عيني أمها بتوسل تنتظر منها كلمة، فتنهدت هدى بقلة حيلة وفتحت ذراعيها وضمتها وقالت: ربنا يسعدك!
ثم تنحّت عنها وقبل أن تخرج صاحت: إنجزي هه! خلصينا بأه في ليلتك دي!
فوجمت كارما بعض الوقت ثم جلست وهي تضحك؛ فهذه هي أمها سرعان ما تقلب المواقف وتفزعها بتغيير انفعالها الفجائي، وبدأت تضع مستحضرات التجميل بإتقانٍ شديد كما اعتادت وأبدعت للأخريات، بينما كانت تتابعاها لمياء وسمر.
فهمست لمياء إلى سمر قائلة: إيه الست دي! دي نكّدت عل بت وشيلتها الهم! وبعد كده تقولها إفرحي، طب إزاي؟
فرفعت سمر سبابتها وقالت: خليها تسمعك وتيجي توضبك.
فقالت لمياء بإعراض: ليه يا ختي وعلى إيه!
انتهت كارما من تزيينها الهادئ، وأخذت حجابها وكان من الستان باللون الكريمي ووضعته فوق رأسها تضبطه لتكتمل هيئتها الرائعة!
ظلت تقف أمام المرآة تحملق في نفسها تتفقد وجهها ربما تجد أي عيب في تزيينها، لكن سبقتها سمر قائلة بإعجاب: الله أكبر، زي القمر.
فتابعت لمياء: بسم الله ما شاء الله! ربنا يسعدك ويفرح قلبك!
فنظرت بينهما ثم تساءلت: شكلي مظبوط بجد!
فأجابت سمر: يا بنتي والله قمر! يلا بأه الرجل حِمض برة!
فتابعت كارما بارتباك: خايفة أوي!
فزمت لمياء شفتيها ثم قالت: ده إيه الخيبة دي! دي خطوبة يا حبيبتي، والخطوبة ما بتخوفش أبدًا، آخره هيمسك صبعاك عشان يلبسك الدبلة والخاتم ومش هيجرؤ يعمل أي حاجة تانية؛ طنط هدى مسيطرة بالأوي! وبصراحة شكله قاعد بيدعي ربنا يعدي اليوم ده على خير وما يحصلش حاجة، كلنا بندعي بصراحة؛ مامتك عملالنا رعب.
قالت الأخيرة بهمس ثم ضحكت هي وسمر فتأففت منهما كارما، ثم قالت: طب نادولي بابا وعمرو.
فتابعت لمياء توجه كلامها إلى سمر بفرغ صبر مصحوبة بتنهيدة: يا ستي نادلها بابا وعمرو.
فخرجت سمر وهي تضحك وبعد قليل دلفت وبصحبتها عمرو ومجدي، فتهلل وجهيهما بمجرد رؤيتهما لكارما واحتضنها كلاً منهما يباركان بسعادة حقيقية تتدفق من القلب بحق، فأمسكت في ذراعيهما وخرجت أمامها سمر ولمياء تزرغدان.
وما أن صدح صوت الزغاريد حتى نهض مروان واقفًا وقد ملّ من طول الانتظار، حتى خرجت أمامه، تلك التي هي أجمل من رأت عيناه، رغم معرفته بلون الفستان بل ورؤيته له وقت الشراء، لكن عندما ارتدته كأنه قد تحوّل لثوب أميرات ينبض بالحياة تزينه أجمل فتاة ترتديه!
كان مروان يرتدي حلة كُحلية اللون وتحته قميص من اللون الأبيض ورابطة عنق من نفس لون الفستان.
تقدم مروان مقتربًا فسلّم على والدها وأخيها ثم أمسك بطرف يدها وسار بها سيرًا يليق بأميرة قد توجت على عرش قلبه.
سارت جواره وتشعر أن ضربات قلبها تزداد وتتسارع؛ فهو ليس قريبًا منها فحسب بل يمسك طرف يدها، تتمنى لو تربت علي موضع قلبها كعادتها لتهدئه لكنها استحيت فعلها أمام الجميع.
جلست كارما ومروان جوارها، لا زال يطيل النظر بها بإعجابٍ شديد، بينما هي ظلت تفرك يديها بعضهما ببعض وعيناها تنظر للأسفل، فجاءتها سلوى تسلم عليها وتمسك بكريم ليسلم عليها أيضًا.
لكن كريم بالطبع لم يصافحها أو يصافح أي شخص بل لم يتعرّف عليها بسبب هيئتها المختلفة، فهي بالنسبة له صارت شخص جديد! وإن كان لم يفرق ذلك ولم يكن هناك وقت ولا كانت كارما في حالة تناسب أن تبدأ بتعريفها عليه الآن، كما كان اللقاء الأول لها بأخته منة والتي تعيش مع زوجها وأبناءها في فرنسا وقد جاءت في أجازة محددة لمدة يومين لحضور خطبة أخيها، وعادةً هذه طبيعة أجازاتها حيث تجئ لزيارة أمها بضع أيام على فترات.
كانت منة تتقارب ملامحها مع أخيها وقد أُعجبت منة بكارما كثيرًا حتى إنها قد همست لأمها أنها أفضل من الزوجة الأولى وأن كارما أفضل عوض من الله لمروان.
وجاء موعد تقديم الشبكة فوقفت أمه تمسك بعلبة الشبكة وأخته تمسك كل قطعة وتناولها لأخيها يلبسها لخطيبته وسط زغاريد وتصفيق الجميع.
كان الحفل عائلي للغاية فحتى أصوات الأغاني المتاحة كان منخفض فلم يشعر به أحد من الجيران إلا لو كان أحدهم قد لاحظ فروع النور الصغيرة المعلقة بالخارج.
تم التقاط عدة صور للعروسين وحدهما أو وسط أفراد العائلتين وعند الجزء الخاص بالبوفيه، لم يتحدث مروان وكارما ذلك اليوم إلا قليلًا، ربما لا زالا تحت تأثير ذلك الحدث؛ لقد تمت خطبتهما بنجاح!
بالطبع انسحبت سلوى وابنتها باكرًا ومعهما كريم؛ وذلك بسبب خشيتهم من حدوث أي نوبة غضب من كريم وسط المدعويين؛ فالأمر وإن كان يومي لكن تتزايد فرصة حدوثه مع التجمعات خاصةً مع وجود بعض الصخب من صوت أغاني وزغاريد وتصفيق، وتلك الوجوه الجديدة المحيطة به والمكان نفسه مختلف ولم يألفه بعد، وكارما لا يمكن أن تترك مكانها لتذهب وتتعامل معه، فهيئة كارما نفسها تجعل منها شخص جديد لم يلقاه يومًا، لكن مكوث مروان بعدهما لم يطول.
وبالرغم من كلامهما القليل اليوم إلا أنها كانت ليلة مميزة لكلٍ منهما؛ فاستلقى كلًا منهما في فراشه يحملق في خاتم خطبته ويتحسسه من حينٍ لآخر بسعادة كبيرة، يتأكدان من تمام اليوم وانتهاءه على خير، من الوصول إلى تلك الخطوة التي قصّرت المسافات، التي بمثابة أول حجر في بناء حياتهما معًا وجعل حبهما حقيقة واقعة.
وفي اليوم التالي جاء مروان إلى بيت العروس كما هو المعتاد لكنه وجد نفسه يجلس مع أبيها الذي يتجاذب معه أطراف الحديث، لا ينكر أن التحاور معه شيق وممتع ، لكنه يريد الجلوس بصحبة خطيبته، وهنا قد علم تمامًا طبيعة العلاقة التي تنتظره، خطبة تحيطها كل الحدود، فاستحسن فكرته في تحديد موعد الزفاف بعد شهرين، فقط وقت استعدادت الزواج.
عادت كارما إلى مداومة عملها يوم الأحد بوجهٍ مشرق منير ممتلئ بالنضارة والحيوية وتحمل معها علبة كبيرة من الشيكولاتة لتقوم بتوزيعها على من تعرفهم معلنة عن خطبتها، فتلقت مباركات كثيرة من الجميع.
اتجهت نحو غرفة المدير صاحب المدرسة لتقدم له أيضًا من حلوى خطبتها، طرقت الباب وبعد الاستئذان دخلت وتفاجئت بوجود مروان عنده.
اختلفت ملامحهما فجأة والتمعت عيناهما ببهجة وسعادة شديدة، تقدمت بضع خطوات وأسندت علبة الشيكولاتة على قلبها الذي قد اعتاد قوة النبض بمجرد تواجده، سماع صوته أو مجرد ذكر اسمه!
وبعد التحية والترحاب قال المدير: سامع من الصبح أخبار حلوة، شكلها حقيقية!
فأومأت كارما برأسها مؤيدة ومالت بيدها اليمنى لتظهر خاتم الخطبة ووجهها مبتسم بإشراق، فتابع الرجل: ألف مبروك يا بنتي، ربنا يسعدك ويتمم بخير ويكون ابن حلال! عشان إنتِ بنت حلال.
فأجابت وهي تخفض نظرها أرضًا على استحياء: الله يبارك في حضرتك! هو فعلًا ابن حلال.
فاتسعت ابتسامة مروان وهو يتابعها بعينيه وهي تقدم الشيكولاتة للمدير وقبل أن تتراجع التفتت إليه، أومأت له إن كان يرغب في واحدة، فأشار برأسه موافقًا فاقتربت بانحناءة خفيفة نحوه مقدمة إليه العلبة، حرّك سبابته بحركة دائرية من أعلى العلبة كأنه ينتقي إحداهم، فاختارت له كارما واحدة وقدمتها إليه مع ابتسامة رائعة.
فأخذها منها وعيناه تحاوطها بشدة، ثم قال: ألف مبروك...
ثم همس: عليّ!
فرفعت كارما عينيها بخفة وقد سمعته واتسعت ابتسامتها أومأت برأسها بدت ممتنة، لكن في الحقيقة هي تعني وهي أيضًا، ثم استأذنت وخرجت، بينما هو ظل يحدق في الفراغ يتنفس طيفها بعمق؛ فهذا الفراغ كانت تشغله منذ لحظات وتتنفس هواءه!
لقد صارت هذه حالته دائمًا عندما يلقاها بمجرد أن تغادر موقعها يظل يتبع طيفها ويتنفسه بعمق، وإن غادر هو شعر بالحنين الشديد بمجرد غيابها عن مجال نظره، حالة لم يصل إليها من قبل!
فانتبه المدير لحالته الهائمة فنادى عليه عدة مرات حتى انتبه إليه، فتساءل المدير: مالك يا كابتن مش على بعضك يعني! أول مرة أعرف إن عينك زايغة! ما يصحش كده دي بآت مخطوبة.
فابتسم مروان بهدوء واكتفى برفع يده اليمنى يظهر خاتم الخطبة الفضي، فأيقن الرجل أنه هو ذلك الخاطب الذي ظفر بها، وهو ابن الحلال الذي أشادت به منذ قليل.
مرت الأيام كانت لقاءاتهما خاطفة في المدرسة، كان يعتاد زيارتها في بيت أبيها كل أسبوع لكنها تكون مجرد جلسة عائلية، لكنه يكتفي بمحادثاتهما اليومية في المساء سواء الهاتفية أو الكتابية لتكون آخر شيء قبل النوم كل يوم!
أما كارما فقد صار وقتها بالكاد بين عملها وزيارات كريم والتي لا زالت بالطبع في مواعيد لا يتواجد فيها مروان نهائيًا، أما عن مذاكرة رسالة الدكتوراة فقد توقفت فيها منذ خطبتها؛ فالوقت المتبقي بالكاد يكفي لشراء متطلبات وتجهيزات عرسها.
وكان مروان أيضًا مشغول بتجهيزات الشقة وكل الإعدادت اللازمة.
أما هدى فلا زالت عند موقفها مع مروان، لم تتقبله بعد، تتصيد له الأخطاء، دائمة الاعتراض على أي شيء لكن مروان لا زال يطيل صبره مهما فعلت حتى يصل لموعد الزواج بأمان.
كان يتقابلان أحيانًا بالمصادفة في المدرسة، لكنه احترم ذلك الإطار والحدود الذي تضعه حولها أمام الآخرين لألا يتطاول أحدهم عليها بلمزٍ أو همز، فكان يتمالك مشاعره وانطباعاته بقدر الإمكان؛ لأن مؤكد تلك اللحظات ينتظرها الكثيرون ليضعوهما تحت المجهر...
....................
Noonazad 💕❤💕
Bạn đang đọc truyện trên: Truyen247.Pro