
(38)
بقلم نهال عبد الواحد
قاربت الساعة على السابعة مساءً، لا زال عمرو ومروان جوار كارما قرابة الأربع ساعات، كانت المؤشرات العامة في تحسن، بدا لونها شديد الشحوب يعود إلى الحياة نوعًا ما، بدت أنفاسها منتظمة، وتبدو أنها بدأت تستيقظ.
كان الطبيب يغير المحلول من وقتٍ لآخر مع وضع بعض الأدوية داخله، كان يهمه تعويض جسدها بكمية مناسبة من السوائل.
بدأت تتململ وتصدر بعض التأوهات الهامسة مع ضغطة وإيماءات تألم على ملامحها الهزيلة.
كان عمرو ومروان كلًا منهما ممسكًا بإحدى يديها، فشعرا بحركة أصابعها مع جذبة يديها من بين أيديهما، فاقتربا منها يتابعانها بسعادة غامرة وكلًا منهما يهمس: الحمد لله!
لكنها قد سحبت يديها لتمسك بها رقبتها، موضع إبرة المحلول، يبدو أنها تؤلمها، فأسرعا بإمساك يديها قبل أن تعبث بتلك الإبرة، فاضطرت لفتح عينيها بتثاقل ويبدو أن الضوء يثير ضيقها حيث تعاود غلقهما بضيق.
فهمهمت بتألم: آه! أنا تعبانة، أنا فين؟
فقال عمرو: إحنا جنبك يا حبيبتي، حمد الله ع السلامة!
وتابع مروان: شكلك بتفرحي وتتمزجي لما توقعي قلبنا كده!
فأطالت النظر إليه ثم شردت قليلًا وكأنها قد تذكرت أمرًا ما وبدأت عيناها تزرف بالبكاء، فتابع مروان: لا لا، كفاية وجع قلب الله يهديكِ...
فقاطعه عمرو محاولًا المزاح: إحنا خدنا كفايتنا إنهاردة يا كوكي، سيبلنا شوية أعصاب.
فتنهد مروان ثم قال: عايزك تطمني تمامًا، كل حاجة هتخلص إنهاردة، يا قاتل يا مقتول!
ثم التفت إلى عمرو قائلًا: هه، عملت اللي قولتلك عليه!
فأجاب: عملت إيه هو أنا لحقت! دي يادوب لسه فايقة!
حاولت تقريب يدها من رقبتها مرة أخرى فجاء الطبيب وقال: لا لا، سيبي رقبتك خالص!
ثم قال بلطف: حمد الله على سلامة حضرتك!
فتساءلت بألم: في وجع هنا، هو في إيه في رقبتي؟
فأجاب: كانيولا المحلول، عروقك كانت ضعيفة وكل محاولاتنا في إيديكِ فشلت، فاضطرينا نعلقه في رقبتك.
فرفعت كميها وكشفت عن ساعديها تتفقدهما فهي تشعر بوخذات فيهما، فوجدت بعض البقع الزرقاء المحيطة بلاصقات طبية في أماكن متفرقة، تبدو أنها أماكن تعليق المحلول.
وبعد أن أطالت النظر فيهما، أعادت يدها تتحسس رقبتها بوجع ثم قالت: طب شيله لو سمحت، ده واجعني أوي.
فأجاب: نطمن الأول إن كل حاجة تمام.
- أنا بآيت كويسة، صدقني يا دكتور!
- معلش محتاج أطمن عل بلع والأكل.
- بس أنا مش جعانة ولا عايزة آكل، شيل البتاعة دي خليني أروح.
- مش قبل ما تاكلي الأول، هنبدأ بفنجان يانسون دافي وما تخافيش الأكل خفيف جدًا، جيلي، كاستر، زبادي، مش أكتر من كده.
فأدارت بعينيها تبحث عن شخص ما وهي تتململ في جلستها، فاقترب عمرو متسائلًا: مالك! عايزة حاجة!
فأومأت: آه! قصدي، عايزة ممرضة ضروري.
قالت الأخيرة على استحياء، فتساءل عمرو بدهشة: طب قولي لي عايزة إيه؟!
فنظر إليها الطبيب ويبدو أنه قد فهم ما تريده فنادى على إحدى الممرضات، فاقتربت منها فهمست لها كارما فأومأت، وبدأت تفك المحلول وتغلق الأنبوب الخاص بالإبرة وسط دهشة عمرو ومروان خاصةً وهي تحاول النهوض لكنها أصيبت بدوار قليل فأسرعت تحاول التسند فكان مروان أقرب فأسرع نحوها وأمسك بساعدها، فتسندت عليه لتنهض واقفة ومن الناحية الأخرى أمسكت بيدها الممرضة وحاوطت خصرها بذراعها الأخرى، فأبعدت كارما نفسها عن مروان، والذي تساءل هو وعمرو: رايحة فين؟!
فأجابت الممرضة بعملية: عل تواليت.
فسكت الاثنان بتحرّج فاستأذن مروان قائلًا: هروح أجيب جيلي وكاستر زي الدكتور ما قال وإنت اتصرف.
فأومأ عمرو برأسه بينما انصرف مروان وتحركت كارما مع الممرضة وهي تتسند على الحائط بيدها الأخرى، فخرج عمرو من الغرفة وأمسك بهاتفه واتصل بزوجته.
بعد أن رن هاتف سمر واضطرت لإعطاء سيف لجدته خرجت من الحجرة وأغلقت الباب خلفها وهي تفتح الخط وتجيب بلهفة: أيوة يا عمرو إنت فين كل ده؟
- حد جنبك!
- مال صوتك!
- باقول حد جنبك!
- لأ، أنا سايبة سيف مع طنط، وعمو برة بيتفرج ع التلفزيون.
- طب إديهولي بسرعة.
- طب قول لي في إيه طيب؟
- يوه!
صائحاً بغضب.
- خلاص خلاص!
هكذا أهدرت بتنهيدة، وأسرعت نحو والده وأعطته الهاتف وهي تقول: معلش يا عمو عمرو عايز حضرتك ضروري.
فأخفض صوت التلفاز وهو يمسك بالهاتف ويجيب: أيوة يا عمرو، في إيه؟ إتأخرت كده ليه؟
- م الآخر كده كارما تعبت وكنت معاها أنا و مروان في المستشفى، هو اللي اتصل بي وبآلنا أكتر من أربع ساعات جنبها ولسه فايقة.
- ليه إيه اللي حصل؟ إديهالي أطمن عليها!
صائحًا بلهفة.
- هي راحت الحمام مع الممرضة، الدكتور هيطمن إن كل حاجة تمام وهنجيبها ونروح.
- يعني حصلها إيه؟
- ما حضرتك عارف إنها ما نطقتش بكلمة من يوم الرد بتاع ماما، فضلت كاتمة في نفسها وشكلها ما كانتش بتاكل ولا بتاكل وترجع كل حاجة، والنتيجة في الآخر واحدة كانت على حافة الموت قاطعة النفس، ضعف وجفاف ولا كأنها كانت في صحرا، حتى مفيش عرق يتعلق فيه محلول، بس الحمد لله أهي فاقت!
قال الأخيرة متنهدًا بتثاقل.
- طب خليني أكلمها أول ما تيجي.
- المهم دلوقتي يا بابا.
- خير!
- الموضوع ده لازم يخلص إنهاردة، مروان مصمم يجي معايا البيت ويقعد معاكم.
سكت الأب قليلًا، ثم قال: طيب يا بني أهلًا وسهلًا.
- جهّز نفسك بأه.
- المهم هو اللي يجهّز نفسه عشان يواجه أمك، أنا بآلي أسبوعين بقنع فيها وهي أبدًا، ولا كأنه قاتل أبوها!
- ماشي يا بابا، إستعد بأه وربنا يعدي اليوم ده على خير، مع السلامة!
أغلق مجدي الخط ولا زال واجمًا، فتساءلت سمر: في إيه يا عمو؟ كارما مالها!
- تعبت ونقلوها المستشفى.
- والله كان قلبي حاسس إن فيه حاجة!
- المهم دلوقتي مروان جاي معاهم.
- المواجهة!
فأومأ برأسه ثم تساءل: فين حماتك؟
- بتلعب مع سيف جوة.
- طب خليها جوة لحد ما ييجو، إلبسي إنت حاجة عليكِ.
فأومأت برأسها ثم لاذ الصمت.
خرجت كارما من الحمام وعادت إلى فراشها مرة أخرى، كانت تبدو تتألم من تلك الإبرة المغروسة في عنقها، ثم قدموا لها كوب اليانسون الدافئ وبدأت ترتشف فيه بهدوء، وبعدها بقليل أحضر لها مروان علبة من الكاسترد وبدأ يطعمها مع بعض التحايل والإلحاح لتتناوله، ثم ظلت جالسة تنتظر كما ينتظر عمرو ومروان حسب تعليمات الطبيب ليتأكد من هدوء معدتها وبداية تقبلها لأي طعام مثل الاطمئنان على قدرتها على الابتلاع دون تشنجات.
وبعد فترة جاء الطبيب يتفقد درجة حرارتها ويقيس ضغطها والذي كان لا يزال منخفضًا لكنه أفضل من ذي قبل، فقال: إحنا كده إطمنا على الآنسة، طبعًا أكيد في التهابات في المعدة فكتبتلك على علاج عادي جدًا لالتهابات والحموضة والإرتجاع، كل حاجة مكتوب جنبها الجرعة، هناخد بالنا م الأكل، هتكملي إنهاردة جيلي أو زبادي أو كاستر، ومن بكرة ولمدة أسبوع مسلوق أو مشوي فقط ممنوع الحار والحامض والبهار والمسبك والمقليات وطبعًا الشاي والقهوة، ممكن بعد الأسبوع تبدئي تاكلي حسب رغبتك بس بلاش مسبك ومقليات، والعلاج تمشي عليه لمدة شهر كامل حتى لو اتحسنتِ، مفيش عشا متأخر أو عشا دسم ويكون قبل النوم بساعتين عل الأقل، ويستحسن تنامي على مخدة عالية.
فأومأت برأسها بهدوء ثم قالت بتألم: طب أرجوك إخلع لي البتاعة دي، هموت م الوجع!
فابتسم الطبيب وقال: هنحط شوية مهدئات ومسكنات وهشيلها، وأرجوكِ تمشي على التعليمات.
- حاضر، بس خلصني منها!
فقام الطبيب بوضع بعض الدواء داخل الإبرة المعلقة ثم سحبها فصرخت صرخة وكتمتها بيدها، فجفف الدم المتساقط وغطاها بلاصق طبي، كانت بدأت تزرف دموعها مجددًا، وبدأت تعدل من وضعية حجابها بقدر ما تستطيع لكن رقبتها وكتفها يؤلماها بشدة.
انتهى كل شيء ورحل الثلاثة من المشفى متجهين إلى البيت، وكان مجدى وسمر منتظرين بتوتر يحاولان تخيل اللقاء، بينما هدى لا زالت مع حفيدها بالداخل تلعب معه ولا تعي لكل ما يجري حولها.
قطع ذلك التوتر صوت رنين جرس الباب فأسرعت سمر لتفتحه فوجدت كارما بحالتها المذرية يسندها عمرو فأفسحت لهما الطريق وقد ألجمتها صدمتها.
أسند عمرو أخته حتى أحد الكراسي وأجلسها عليه، فصدم الأب أيضًا فأسرع نحو ابنته يضمها ويربت عليها بحنان ويقبل رأسها قائلًا برفق: إيه يا بابا! ألف سلامة عليكِ! صحتك بالدنيا يا قلب أبوكِ، بلاش تعملي في نفسك كده.
فبدأت كارما تزرف دموعها من جديد فأسرع نحوها مروان وهو يقول بضيق: مش قولنا خلاص.
فمد مجدي يده قائلًا وهو يمسح وجهه بيده الأخرى: أهلًا وسهلًا يا بني، معلش اتلهيت في كارما.
فأومأ برأسه وقال: ولا يهم حضرتك.
ثم جلس أمامه وقال: أظن حضرتك عرفت سبب مجيي هنا إنهاردة.
فتنحنح مجدي وتابع بأسف: وأنا ماعنديش حاجة أهم من بنتي ولا صحتها.
ثم نهض واقفًا وانصرف من أمامهم، فجلست سمر جوار كارما وقبلت إحدى خديها وهمست لها: ألف سلامة عليكِ! إطمني هتتحل إن شاء الله.
فلم تعقب كارما فقط تنهدت وأغمضت عينيها تخشى أن تتعلق بسراب لا أصل له، بينما كان عمرو متوترًا للغاية لدرجة إنه كان يقضم أظافره، أما مروان فكانت عيناه على كارما لم يزحزحهما، كان يبدو قويًا كمحارب بإصرار من أجل هدفٍ بعينه، سيحارب لآخر نفس وباستماتة واستبسال، كان يبدو عليه أنه يفكر فيما سيقوله وكيف سيقوله، لا يملك إلا تلك المحاولة فليخوضها بكل ما أوتي من قوة وفطنة.
طرق مجدي الباب على زوجته ثم دلف إليها فوجدها واضعة حفيدها على حجرها تهدهد فيه وتغني له وتدغدغه في وجنتيه وأسفل ذقنه، وكأن العالم قد توقف من حولها فلم تعي لأي زمن ولا لأي أصوات، بل تفاجئت بدخول مجدي، فكما يقول المثل المصري «أعز الوِلد وِلد الوِلد!»
فابتسمت وقالت بلهو: جدو جه يا سيفو!
فتصنع مجدي ابتسامة و أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بهدوء وقال: حطي الواد وتعالي عايزينك برة شوية.
فزمت حاجبيها بتعجب وتساءلت: هم مين اللي عايزيني؟ مش فاضية، بلعب مع الواد السكر ده!
قالت الأخيرة بأسلوب مازح للطفل، فتابع مجدي بجدية: غطي شعرك وتعالي برة ضروري.
فقالت بدهشة: هو في إيه بالظبط ؟ هو مين اللي برة؟
فتنهد ثم قال: مروان.
- ييه! تاني! إنت ما بتزهقش يا راجل إنت من سيرة مروان دي؟ قولت لا، ماعنديش بنات للجواز، هو بالعافية! وبعدين إيه اللي جابه! في حد يطب زي القضا المستعجل كده من غير إحم ولا دستور؟!
- الراجل استأذن وعمرو كلمني قبل ما يجي.
- لا والله! وعمرو كمان! لا طمر فيه التربية ابن بطني ده! يعني كلكم اتفقتم وأنا آخر من يعلم، طب إقعدوا إنتو معاه، لا هطلع ولا هقابل حد.
- جرى إيه يا هدى! ما تسمعي منه، هو جايلك مخصوص لما عرف رأيك.
- ده لازقة وتلقيحة بأه! يعني عرف رأيي وبرضو جه!
- إتفضلي إطلعي قابليه عشان خاطر بنتك الغلبانة.
- بنتي أنا قادرة بيها وأقدر عليها، هتزعلها يومين وتنسى وخلاص، هو اللي خلقه ما خلقش غيره يعني!
- مش بالسهولة دي، البت تعبانة.
- البت بتلوي دراعي عشان أوافق، بس من خيبتها نسيت إني ماليش دراع يتلوي.
- باقولك البت تعبانة، ميتة برة!
صائحًا بغضب.
فتنهدت وتابعت: تعبانة مالها يعني!
- ما تقومي يا ست إنتِ شوفي بنتك اللي من قبل العصر ف المستشفى بين الحياة والموت!
صائحًا بغضبٍ أشد فانتفضت فجأة، فربتت على الطفل ووضعته على السرير ثم نهضت واقفة قائلة: كارما مالها بالظبط!
- ما عمّال أقولك قومي البت تعبانة وإنتِ قلبك حجر وراكبة دماغك.
- أنا طالعة لبنتي وبس، لكن التاني ده نجوم السنة أقربله.
- ربنا يهديكِ يا شيخة!
فوضعت حجابًا منزليًا على رأسها وفتحت الباب وخرجت وتبعها زوجها وهو يتمتم: يا رب يسر واكتب لها الخير حيث كان!
...............
........................................
Noonazad 💕❤💕
Bạn đang đọc truyện trên: Truyen247.Pro