
(31)
بقلم نهال عبد الواحد
ظلت كارما جالسة وغارقة وسط كل الأفكار التي تجتاحها في حيرة واشتياق، وكان وقتها كريم بصحبة جدته ليبدل ملابسه ويتحمم من أثر التقيؤ.
لكنها فجأة نهضت واقفة واستدارت نحو مدخل الباب فوجدته واقفًا ينظر إليها بملابسه الرياضية حاملًا حقيبته على كتفه.
سيقت قدماها نحوه ببضع خطوات لا تعرف كيف شعرت بوجوده ولا ماهية ملامح وجهها أو انطباعاته، لكن ما هو متأكدة منه تمامًا أنها فاقدة السيطرة على انطباعاتها تمامًا.
تقدم هو أيضًا نحوها ببضع خطوات، لم يكن بأقل منها اشتياقًا، وقفا متقابلين بلا حراك وكأنما هما تحت تأثير تعويذة سحرية ربطت ناظريهما كما ربطت قلبيهما في إلتحامٍ لا يُفك.
فهمس لها ولا زال تحت تأثير أشواقه الملتهبة: وحشتيني.
ترقرقت عيناها بالتماعة ليغوص في بحر عينيها بلا أي رغبة في النجاة، لكنها بعد محاولات كثيرة حاولت جاهدة أن تخرج الكلمات، لكنها ترتسم على كرزتيها دون صوت في صورة ارتجافة أذابته وألحت بداخله وساوس كثيرة تراوده الآن أن يروي ظمأ أشواقه من تلك الكرزتين الشهيتين.
- فينك؟!
هكذا همست أخيرًا، قد أهدرتها وسط أنفاسها الملتهبة من لوع الاشتياق.
- جالي أكتر من عرض تدريب ناشئين في أكتر من مكان وقبلتهم كلهم، والنتيجة إني مفحوت شغل كل يوم، يادوب باجي بليل أنام على طول، غير طبعًا يوم تسجيل البرنامج اللي بسافر أصور في القاهرة.
قالها وقد أحكم السيطرة على زمام نفسه.
- إنت عارف دول كام شهر؟! ده العام الدراسي الجديد هيبدأ الأسبوع الجاي!
قالتها بعتابٍ وشغف لم يعهدهما!
- هامّك يعني!
- معقول ولا تليفون ولا رسالة!
- كنتِ هتردي يعني! طب أنا ما كنتش فاضي، إنتِ ليه ما تكلمتيش؟! كنت مستني منك كلمة!
همّت أن تقول شيئًا ما، لكنها تراجعت ونظرت لأسفل، وفجأة رنّ هاتفها فأفزعهما فجأة، فأخرجت هاتفها من جيب العباءة فوجدت رقمًا غريبًا فاضطرت لتجيب هربًا من ذلك الموقف.
فتنحنحت لتستعيد نبرة صوتها المختفية، وأجابت: أيوة.
فسمع مروان صوت رجولي يحادثها من الطرف الآخر قائلًا: ميس كارما!
- أيوة يا فندم، مين معايا؟!
آسفة ما سمعتش مين؟
مين يعني؟!
مااعرفش حد بالاسم ده،
بتقول اتقابلنا يوم بارتي المدرسة! حضرتك أنا عملت حادثة ومش فاكرة اليوم ده أصلًا فياريت لو في حاجة مهمة تفكرني بيها وبسرعة لأني مش فاضية!
قالت الأخيرة وقد بدأت نبرتها تميل إلى الغضب والتي لم تكن أقل غضبًا من مروان الذي شك بشخصٍ ما بعينه، فخطف الهاتف وفتح مكبر الصوت في حركة فاجئت كارما ورغم استياءها إلا أنها لم تعترض؛ فهي تشعر بسخافة المتصل.
فقال ذلك المتصل: إخس عليكِ، ده لو نسيتِ كل حاجة ما ينفعش تنسيني! مش فاكرة كلامنا مع بعض وأنا بشيد بشغلك الرائع ولا جمالك ورقتك اللي مهما حكالي بابا عنك ما يجيش حاجة، الحقيقة أجمل بكتير من يوم ما شوفتك وأنا بتمنى...
فقاطعه مروان بفظاظة: بتتمنى إيه يا حيليتها! وقعتك سودا! عارف لو اتصلت بالرقم ده تاني هطلع عين أمك.
- إده إده! إنت مين وإزاي تجرؤ تكلمني كده؟!
- أنا خطيبها يا روح أمك.
فأغلق الخط فورًا بين ذهول كارما وتفاجؤها بما قاله، ثم صاح فيها: إفتحي الزفت ده!
والغريب أنها قد فتحت هاتفها بالفعل بلمسة من إصبعها مكان لمس البصمة، فضغط داخل الهاتف وهو يزفر بغضب: وآدي زفت بلوك.
ثم وضعه جانبًا ولا زالت مصدومة من طريقته وفعلته، ثم استجمعت نفسها وقالت: أنا ما أعرفش مين ده! ولا عارفة جاب رقمي منين؟!
فمسح مروان على وجهه يحاول تهدئة نفسه: ده سي زفت ابن صاحب المدرسة، كان بيتنحنح يوم البارتي ونازل فيكِ معاكسة وغزل، أمال أنا اتعصبت عليكِ يومها ليه؟!
فوجمت كارما ولم تعقب، فمسح وجهه وزفر قائلًا: أستغفر الله العظيم! ما أبوه ده كل ما يشوفني يفضل يكلمني عن شطارتك وذوقك وجمالك وأخلاقك ورقتك ونفسي ابني يشوفها وأخطبهاله ونظام خالتي اللكاكة، ده لو قاصد يحرق دمي مش هيعمل كده!
ابتلعت كارما ريقها وتبدو أنها لا تزال تبحث عن الرد المناسب، لكن جاءت سلوى تمسك كريم وتدلف لداخل الحجرة فنظرت بينهما، ثم قالت: إنت اللي كنت بتزعأ دلوقتي؟!
فأومأ برأسه أن نعم قائلًا: واحد سخيف بيعاكس في التليفون.
فأومأت برأسها ثم وجهت حديثها لكارما وهي تجلس: لبسك إتنضف ونشف وعلقته جوة في الحمام يا حبيبتي.
- ميرسيه لحضرتك، عن إذنكم.
قالتها بامتنان ثم انصرفت متجهة نحو الحمام فتبعها مروان بناظريه، فقاطعته أمه متسائلة: جيت إمتى؟!
فأجاب بتفاجؤ: لسه حالًا.
- بس جاي بدري يعني!
- الملعب كان فيه تصليحات فالتمرين إتكنسل.
فأومأت برأسها وهي تتابع كريم بنظرها، ثم تساءل مروان: هي كانت مغيرة هدومها ليه؟!
فابتسمت ثم قالت على استحياء: أصل ابنك رجّع عليها وبهدلها.
فرفع حاجبيه بصدمة ثم اتجه نحو ابنه يجالسه ويلعب معه ويدغدغه لكن بالطبع لا يجد أي انطباع، فقط يبتعد قليلًا بجسده عنه بعدم راحة.
وبعد قليل وقعت عيناه على هاتف كارما فتذكر أمرًا ما، فنهض متجهًا نحوه واتصل برقمها من هاتفه ليروي فضوله في معرفة ما هو الاسم الذي سجلته به، لكنه تفاجأ بذلك الاسم!
انتهت كارما من تبديل ملابسها وهاهي تضع اللمسات الأخيرة في ضبط حجابها، ثم فتحت باب الحمام لكنها تفاجأت بمروان ينتظرها.
زمت حاجبيها بتعجب من وقفته تلك ولم تجد ما تقوله فأكملت سيرها لكنه اعترضها وإتصل برقمها من هاتفه مرة أخرى ورفع هاتفها في وجهها وتساءل بتسلية: إيه ده إن شاء الله؟!
فخطفت هاتفها وأغلقت الخط ثم وضعته في جيبها وهمّت لتكمل سيرها فأمسك بساعدها هامسًا: جاوبي فورًا.
فابتعدت للخلف وهي تجذب ساعدها وتهدر بهدوء: من فضلك.
لكنها تفاجأت بالحائط خلفها وقد صار فجأة يحاصرها فأطالت النظر إليه في توتر، فتابع بمشاكسة: بأه أنا محتل!
فأشاحت بنظرها عنه وقد لاح شبح ابتسامة على ثغرها الرائع، كم تفتك به تلك العنيدة بأقل حركة حتى ولو عفوية!
ثم قالت: من فضلك عايزة أمشي عشان هتأخر.
فأومأ برأسه معترضًا وهو يكمل: هاتي تصريح من مجلس الأمن الأول.
فابتسمت بخفة وقالت: بطل تهريج يا مروان.
فأطال النظر إليها بعشق ثم تنهد قائلًا: قوليها تاني كده.
فتلمست جبهته بتلقائية وجراءة لا تعرف من أين جاءتها وهي تهدر: إنت سخن ولا حاجة!
فأمسك بيدها وأنزلها ليضعها على موضع قلبه لتشعر بضرباته القوية تحت يدها فجذبت يدها بسرعة وهي ترتب هيئتها كنوع من الهروب وقالت بتوتر: من فضلك، مامتك تقول إيه لو شافتنا كده!
فابتسم بهيام: هتقول كل خير.
- وبعدين معاك! إيه اللي جرالك في الغيبة دي؟!
- أديكِ قولتِ غيبة! يعني جرالي ما جرالي، وتقولي عني أنا المحتل!
- طب من فضلك كفاية كده، لازم أمشي.
- بشرط.
- أفندم!
فمدد كفيه على الحائط مع بعض الإمالة للأمام فصار أقرب ليزيدها ارتباكًا فهمس: أوصلك.
فدفعته بهدوء ليبتعد فأصرّ مكررًا: هوصلك!
- طيب طيب، إتفضل خلصني.
- شِرس أوي إنت.
قالها ثم ابتعد فأغمضت عينيها تلتقط أنفاسها وتهمس: آه منك!
لكن وصلت همستها لمسامعه فاقترب منها على فجأة يشاكسها: بتقولي حاجة!
فتفاجأت بصوته شديد القرب ففتحت عيناها في نفس لحظة فجأتها فاصطدمت بصدره فتراجعت للخلف وقد اختضب وجهها من الخجل ولم تستطع التحدث فأشارت له ليتحرك.
سلمت كارما على سلوى وكريم واتجهت نحو الباب لتخرج بينما قال مروان: هوصّلها وآجي يا ماما.
- طيب يا حبيبي.
ثم تمتمت: ربنا يكتبلكم الخير مع بعض!
خرج مروان بصحبة كارما بنفس مشاكسته التي لا تصدقها، لكنها لا تنكر أن كل أجراس إنذاراتها تدق من فرط تأثيره عليها!
وقف مروان أمام المصعد وضغط عليه ليطلبه فقالت كارما: تعرف إني ما ركبتش الأسانسير من يوم ما وقف بينا، أي أسانسير!
- بتطلعي وتنزلي على رجلك!
فأومأت برأسها مع ابتسامة ثم قالت بطفولية: بآيت بخاف أركبه لوحدي.
فاتسعت ابتسامته فنظرت له بتساؤل فأجاب: أول مرة تتكلمي بتلقائية كده معايا وجهًا لوجه.
فأخفضت عينيها بخجل، فتساءل بخفة: يعني هتخافي حتى وأنا معاكِ؟
فأومأت برأسها نافية فوصل المصعد وفتح مروان الباب وأشار لها لتدخل فدخلت ثم تبعها.
كانت تقف مرتبكة وتتبادل معه النظرات، وكان يقرأ فيهما الكثير من الأسئلة.
وصل المصعد في الأسفل فأشار لها فخرجت ثم تبعها ثم ركبا السيارة وتحرّك بها.
وبعد مرور بعض الوقت، فقالت كارما: ممكن أسألك سؤال؟
- يا ريت.
فنظرت إليه بتردد لمحه بطرف عينه لكنه لم يلتفت إليها بل ظل ناظرًا أمامه، فتابعت وقد ازداد ترددها: سمر كانت قالت لي... قصدي حكيت لي... عن يوم الحادثة... عنك... قالت إنك... إنك... كنت قلقان!
فتساءل: إنتِ بجد مش فاكرة حاجة يوم الحادثة؟!
- مش كده، بس إحساسك بالموقف كأنه مجرد حلم مشوش، يعني مش فاكرة تفاصيل، يعني البارتي مثلًا افتكرت الأحداث لما شوفت الفيديو بس مش حاسة إني عشت الموقف، فاهمني!
لم يعقب لكن بعد لحظات وقف بسيارته على جانب الطريق ثم التفت إليها قائلًا: طب وأنا! مش فاكرة أي حاجة قولتهالك!
وجمت قليلًا ولم تعقب، كأن ذلك الموقف الذي يراودها كان حقيقيًا!
رأى مروان حيرتها ثم تنهد قائلًا: كنت مستني ردك، ولما ما ردتيش حسيت إني بفرض نفسي عليكِ فبعدت وشغلت نفسي بحاجات كتير لحد ما خلصت.
فنظرت إليه باهتمام فتابع: إنتِ فاكرة ومش فاكرة، أو بمعنى أصح مش مصدقة...
ثم عاد بظهره ونظر أمامه وتابع: عارف إني اتعصبت أوي، ويمكن طريقتي خضيتك وخليتك تنهاري أوي لدرجة إن رجلك ما شالتكيش ودوختِ في الشارع والعربية خبطتك.
فالتفت إليها وأمسك بيدها قائلًا: أنا آسف، بس أنا غيرتي غبية، بشعة، ببقى عامل زي الإعصار، بركان، تسونامي...
ابتلع ريقه بهدوء ثم تنهد وقال: عايزة تعرفي قولت لك إيه واستنيت رد منك...
لم تعقب لكنها اكتفت بنظرتها المترقبة، أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بهدوء ونظر داخل عينيها وأهدر متيّمًا ولهانًا: بحبك يا كارما وما اتصورش حياتي من غيرك، وبتجنن لو شوفت حد بيقرب منك غيري، أو بيكلمك أو حتى يبصلك...
تنفس بهدوء ثم تابع: ولما عرفت اللي جرالك، خفت أوي إترعبت عليكِ وما سكتش غير لما روحت المستشفى ودخلت أطمن عليكِ بنفسي، قعدت جنبك موجوع واتمنيت أكون أنا اللي مكانك المهم ما يحصلكيش حاجة...
فهمست: بعد الشر عنك.
فابتسم بحب وتابع: فضلت أقول لك طمنيني عليك وقومي، ما توجعيش قلبي، قولت لك دموعك بتوجعني لكن وقعتك دي تموتني، أنا حياتي ما تنفعش من غيرك إنتِ، هتفضلي في حياتي ومش هتسيبيني!
فأومأت برأسها وعينيها تتلألأان بالدمع، فابتسم وتلألأت عيناه هو الآخر وأومأ مرددًا: هتفضلي في حياتي ومش هتسيبيني! صح!
فأومأت برأسها موافقة مرات متتالية، فتابع بنفس حالته: حاسة بيّ، وبتحبيني! مش كده!
فأومأت برأسها مجددًا موافقة لكن انهمرت دموعها تلقائيًا، فمسحها بطرف إصبعه وهمس: قولت لك دموعك بتوجعني، إوعي تعيطي أبدًا، ماشي!
ماشي!
فكفكف دمعها ثم مسح على وجهه وأمسك بعجلة القيادة وقال بحماس وهو يدير مفتاح السيارة: صفحة جديدة وحياة جديدة، إيه رأيك!
فأومأت برأسها فقال بمزاح: كفاية هز ف راسك بأه!
فابتسمت وأدار السيارة وانطلق بها يتبادلان النظرات من حينٍ لآخر، حتى وصل لمكانٍ ما فأوقف السيارة جانبًا ثم قال: إنزلي.
فأجابت بفجأة وهي تتلفت حولها: أنزل فين؟!
- مش قولنا حياة جديدة وصفحة جديدة، من هنا هنبدأ صفحتنا الجديدة...
...............
.....................................
Noonazad 💕❤💕
Bạn đang đọc truyện trên: Truyen247.Pro