
(19)
بقلم نهال عبد الواحد
عاد عمرو مع أخته وصعد الاثنان، مكث بعض الوقت مع والديه ثم انصرف متجهًا لعروسه في عشهما الجديد ليجدها تنتظره في أبهى مظهر، متزينة برقة ونعومة مع بعض الإثارة، تتحرك بجسدها بغنجٍ متصنعة اللامبالاة مع بعض المكر، فألهبت أشواقه وكل مشاعره المكبوتة منذ أمدٍ بعيد؛ فهاهي حبيبته بين يديه وقد أمست حليلته وأصبحت ملك يمينه، بل مليكها ومليكته ليتحد الملكان معًا ليس فقط ببصمتيهما على عقد الزواج، لكن قولًا وفعلًا وبكل لغةٍ.
أما كارما فما أن دلفت لحجرتها حتى ارتفعت حرارتها وزادت نزلة البرد كأشد ما يكون.
بينما لمياء فقد قام زوجها بأخذ موعد عند أحد أطباء النساء و التوليد دون علمها، طلب منها فقط أن تعد نفسها في الموعد دون ذكر تفاصيل، ورغم شعور لمياء أن بها خطب ما بسبب بعض الأعراض الغريبة والتعب والإجهاد المستمرَين، لكن قلقها على كارما كان أكثر من أي شيء؛ فلم تسمع عنها أي شيء منذ يوم زفاف أخيها والتي كانت وقتها غريبة الأطوار بشكل مثير للقلق والشفقة أيضًا!
لكن كلما حاولت الاتصال بها وجدت هاتفها مغلقًا فازدادت قلقًا لدرجة أن موضوع قلقها على كارما تصدر قائمة الموضوعات اليومية في حديثها مع عماد!
استعدت ذلك اليوم على أساس ذهابهما لمكان للترفيه، لكنها تفاجأت بنفسها أمام عيادة طبيبة النساء والتوليد والتي قد هجرت الذهاب إليهم بل والتفكير بها منذ عدة أشهر!
فنظرت إلى زوجها بقلق وتوتر متسائلة بخفوت: ليه يا عماد؟! مش كنا نسينا الموضوع ده!
فابتسم مشددًا في مسكة يدها يطمئنها قائلًا: يا حبيبتي إحنا عمرنا ما نسينا ولا هننسى، إحنا بس خدنا هدنة.
- طب لو مفيش...
فقاطعها واضعًا سبابته على شفتيها: إحنا طمعانين في كرم الله اللي عمره ما هيخيب ظنوننا، هو عند ظن عبده وظننا فيه خير، توكلي على اللي بيقول للشيء كن فيكون.
فدلفت بصحبته وقد تجدد داخلها أملٌ قد نسيته أو تناسته، جلس الزوجان في انتظار دورهما لفترة من الزمن حاول عماد تشتيت انتباهها وانتباهه أيضًا في مشاهدة التلفاز أو التصفح في مجلة أو حتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن عينيها متركزتان على بطون السيدات الحوامل الجالسات حولها، تتنقل بينهن وبين أخريات قد جئن حديثات الولادة بصحبة أطفالهن المواليد.
وأخيرًا نادت السكرتيرة على اسم لمياء، فنهض عماد ومد يده لها لتتشبث به وسار بها نحو حجرة الطبيبة، كان يشعر برجفتها وهي تتشبث بذراعه أو ربما رجفته هو!
دلفت لحجرة الطبيبة وقامت بقياس الضغط والحرارة والوزن ومثل تلك الإجراءات الروتينية، وقدم لها عماد ملفات كثيرة من التحاليل والأشعات المختلفة على مدار أعوام تفيد بأن لا مشكلة لديهما وهذا ما أقرته الطبيبة عندما تصفحت في تلك الملفات.
صعدت لمياء على سرير الكشف مرتابة تمسك بيد زوجها الذي يربت عليها ويرسم على وجهه ابتسامة لم يستطع توصيلها لعينيه.
وهاهي الطبيبة أمسكت بذراع جهاز أشعة الموجات (السونار) لتفحص بطنها وتتمتم «بسم الله الرحمن الرحيم»...
وبدأت تتحرك ذهابًا وإيابًا فوق بطنها ولمياء وعماد لا يفهمان شيئًا مما يشاهداه لكنهما ينتظران الطبيبة تبدأ في الكلام ويتفحصان ملامحها المحملقة في الشاشة بجدية.
وما كانت لحظات حتى انفرجت شفتا الطبيبة ترتسم ابتسامة هادئة وهي تقول: مبروك يا مدام، إنتِ حامل في حوالي سبع أسابيع، وآدي كيس الحمل والنقطة اللي جوة دي هي البيبي، وهسمعك صوت نبضه كمان...
كانت ملامح لمياء وعماد واجمة تمامًا لا يصدقان ما قالته الطبيبة وما ظهر أمام أعينهما ولا صوت نبضات ذلك الجنين!
لم تتمالك لمياء دموعها وبكت كثيرًا بينما ضمها إليه عماد وربّت عليها فأعطتهما الطبيبة صور ورقية للجنين ونهضت نحو مكتبها، بينما لا زال عماد يمسد على ظهر لمياء يهدئ روعها، وبعد قليل نهضت و رتبت ملابسها وجلست بصحبة زوجها لينصتان لنصائح الطبيبة وتعليماتها.
بالطبع عاد الاثنان في قمة سعادتهما يكادا يلمسّان نجوم السماء بأيديهما، وبدأت تتبع تعليمات الطبيبة بكل حذافيرها، لكنها بحاجة لمشاركة فرحتها مع صديقتيها؛ إحداهما عروس جديد بصحبة عريسها والأخرى لا تعلم عن أخبارها أي شيء يطمئنها، وبدأت تلح على عماد في السماح بزيارة كارما ولو لوقت بسيط، ومع إلحاحها المستمر اضطر للموافقة.
وصلها عماد وصعدت إلى بيت كارما وهي تتمنى أن تجد ما يسرها، طرقت الباب ففتحت لها هدى وأحسنت استقبالها وبعد التحية والسلامات والترحاب، تساءلت لمياء وهي تتلفت بعينيها قليلًا: طنط، هي كارما مش هنا ولا إيه!
فأجابت مبتسمة: لا يا حبيبتي جوة بتذاكر، دي يا حبة عيني أخدت دور برد شديد من صباحية أخوها وسخونية، بس الحمد لله بأت أحسن فانشغلت بالمذاكرة.
فقالت لمياء بحزن: والله كان قلبي حاسس إن فيها حاجة وهي قافلة تليفونها ومش عارفة أوصلها!
- يا حبيبتي ربنا ما يحرمكمش من بعض هي عِشرة يوم! هندهالك حالًا، بت يا كارما، يا كارما!
ففُتح باب حجرتها وهي تهدر قائلة: في إيه يا ماما! والله غسلت مواعين الغدا!
لكنها تفاجأت بمجئ لمياء فأسرعت الخُطى نحوها بسعادة واشتياق فنهضت لمياء واقفة وتعانقتا بشدة كأنهما كانتا مفترقتين منذ أمدٍ بعيد!
ثم جلستا فلكزتها لمياء قائلة: مُتت م القلق عليكِ يا جزمة وأنا مش عارفة أوصلك.
فأومأت كارما برأسها وتنهدت قائلة: ما أخدت دور برد جامد شوية، يادوب لسه فايقة منه.
- وأخبار سمر وعمرو إيه!
- هيرجعوا من شرم آخر الأسبوع، بس سمر زي ماانتِ عارفة مش هتنزل الشغل دلوقتي، الشغل هيبقى علينا إحنا الاتنين.
فتابعت لمياء ببعض المراوغة: بصراحة، هو شكلك هتلبسي الشغل كله يا كوكو!
فرفعت حاجبيها بفجأة وقبل أن تنطق بحرف سارعت هدى قائلة: إيه جوزك هيقعدك!
فأجابت: والله ياطنط! هو حاليًا على وشك الفرمان ده!
فلكزتها كارما وصاحت فيها بملل: ما تنطقي يا شيخة زهقتيني!
فرمقتها لمياء بغضب مصطنع ورفعت سبابتها قائلة تتصنع التحذير: لا! من هنا ورايح إيدك جنبك يا فندم، أنا بآيت منطقة محظورة.
ووضعت يديها على بطنها، فوجمت كارما وفرغت فاها بعدم فهم، فصاحت هدى بسعادة: ألف مبروك يا حبيبتي، ألف حمد لك يارب! ربنا يتملك على خير يا روحي وتقومي بالسلامة.
وعانقتها بشدة وأخذت تربت عليها بحنان وكانت كارما لا تزال واجمة، فصاحت هدى موبخة: والنبي قُلت بروطة ماحدش صدقني! ما تباركي لصاحبتك يا هبلة يا بت الهبلة.
فتابعت كارما بتذمر: لازم ختم النسر يا ماما يعني!
- يادي النيلة! يابت بطلي تتنيح وقومي باركي لصاحبتك ياخربيت شياطينك!
فعانقتها كارما بشدة ثم قالت: معلش لسه بستوعب...
ثم ضحكت...
فضربت أمها كفًا بكف قائلة: أنا مش فاهمة إنتِ إزاي مدرسة وبيطلع من تحت إيدك عيال بتفهم!
إستني بأه هروح أدفيلك كوباية لبن عشان تتقودي كده.
فقالت لمياء على استحياء: لا شكرًا يا طنط، عماد هاريني لبن.
فصاحت الأم: ما لازم يا حبيبتي، أهم حاجة الغذا الكويس عشان العيل يطلع بصحته وإنتِ كمان ما تضعفيش، وخصوصًا اللبن، أنا لسه هاخد رأيك! أنا قايمة أجيبهولك.
ونهضت هدى وقهقهت كارما ضاحكة على هيئة لمياء المتذمرة، فصاحت فيها هدى: وهجيبلك إنتِ الشبشب يا عين أمك، شُفتش هبل كده! عوض عليّ عوض الصابرين يا رب!
ثم انصرفت فتابعت كارما: إيه رأيك في الموال ده طول اليوم!
فأجابتها: والله سكر!
- والله! يا سكر!
- طمنيني عليكِ إنتِ، هتجنن عليكِ من يوم الفرح.
فاختفت ابتسامة كارما وتنهدت ولم تعقب، فتابعت لمياء بهمس: شكله وهو داخل وعينه هتطلع عليكِ غير شكلك بعد ما مشي، حصل إيه بأه!
فتنهدت كارما ثم همست قائلة: ولا حاجة عرفت اللغز بتاعه اللي كان محيرني.
ثم أكملت: الكابتن طلع متجوز...
فصاحت لمياء: إيه!
فتمتت كارما: إفضحينا بأه!
فهمست لمياء بصدمة: متجوز!
فتابعت كارما: كان متجوز.
- وطلّق!
فأومأت برأسها أن لا قائلة: لا ماتت.
فتنهدت بارتياح قائلة: طب الحمد لله! وإيه اللي فيها يعني!
- ومخلف.
- كام عيّل؟!
- ولد عمره خمس سنين.
- طب اكسبي فيه ثواب وربيه زي أمه، الحب عملة نادرة يا حبيبتي مش موجودة إلا قليل وما دام جاتلك الفرصة ما تضيعيهاش، حتى لو هتربي عيل مش عيلك.
- إيه اللي بتقوليه ده كمان!
- كلامي غلط!
- الموضوع مش كده.
- أُمال!
- ده رامي ابنه من يوم ما اتولد لمجرد إن أمه ماتت وهي بتولده كأنه بشيله ذنب ده، شوفتيش هبل كده!
- يعني وقت ما شوفناه ملغبط زمان، ده كان من زعله عليها!
فأومأت برأسها ثم قالت بمرارة: اللي يخليه يكره ابنه للسبب ده يبقى معنى كده إنه لسه ما تخطهاش، طب يبقى عايز مني إيه! ده تاني يوم الفرح لاقيته باعت فوق المتين رسالة غير ميت missed call .
فتنهدت لمياء ثم قالت: تبقي دخلتِ قلبه.
- بطلي سذاجة، قلب إيه وكلام فاضي إيه!
- مش كلام فاضي، إنتو الاتنين اتعلقتوا ببعض وده واضح، لكن للأسف في شوية عَوق وفيكم إنتو الاتنين.
فأومأت كارما برأسها تنفي قائلة: لا لا لا، أنا قافلة التليفون من يومها وزمانه زهق ونساني.
- زمان التليفون هيشتمك بكل الشتايم أول ما تفتحيه وتلاقي كم الرسايل!
- يتفلئ، أكيد زمانه زهق.
- أو يتجنن زيادة وتلاقيه جالك على هنا!
فوجمت كارما بعض الوقت قائلة بنفي شديد: لا طبعًا، ده كده يبقى مراهق ويستاهل الشبشب بتاع ماما.
وهنا جاءت هدى تحمل صينية بها كوب من اللبن وطبق من سلطة الفاكهة وهي تتساءل: مين ده اللي يستاهل الشبشب بتاعي؟
فتوترت كارما قليلًا بفجأة من دلوف أمها، لكن سرعان ما تجاوزت كل شيء قائلة بمكر: اللي مش هيسمع كلامك.
ثم ضحكت وتابعت ملامح لمياء المتفاجئة من تلك الصينية التي وضعها هدى أمامها وهي تقول: يلا يا لميا يا حبيبتي، إشربي اللبن الأول وبعد كده نأنئي في طبق الفاكهة ده.
فأومأت لمياء برأسها قائلة بصدمة: لا يا طنط ، ده كتير أوي.
فأردفت هدى بصرامة: يعني إيه لأ! يلا بطلي دلع، إسمعي الكلام...
فتمتمت لمياء في سرها قائلة: أنا كان إيه اللي جابني بس!
فوضعت كارما يدها على فمها تكتم ضحكاتها، فصاحت أمها: بطلي ضحك يا هبلة!
فمالت كارما نحو لمياء تهمس لها: إلحقي خلصي عشان شبشب ماما صاروخ أرض جو.
فتمتمت لمياء متذمرة: يا رب تيجي تاخدني يا عماد!
...............
......................................
Noonazad 💕❤💕
Bạn đang đọc truyện trên: Truyen247.Pro